يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من القلق الصحي، فبعد سنوات قليلة من انحسار جائحة كورونا، عادت التحذيرات الدولية لتعلو من جديد. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما هو الوباء أو الجائحة القادمة التي حذرت منها منظمة الصحة العالمية؟ وهل هي الأنفلونزا بتحوراتها المستمرة، أم كورونا بعودة محتملة، أم إيبولا بانتشاره في الكونغو وعبوره للحدود، أم سيناريو آخر أكثر خطورة يتمثل في تحور سلالات بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.
قد تتفشى بشكل شرس وتفتك بآلاف البشر بسبب غياب مضاد حيوي فعال؟ أم أن الأمر سيكون فيروساً جديداً ينتقل من الحيوانات، مثل فيروس هانتا الذي ينقله القوارض، أو كورونا الذي انتقل من الخفافيش؟ كل هذه الاحتمالات تبقى مفتوحة، لكن الخبراء يجمعون على أن الاستعداد هو المفتاح الوحيد.
محتــويات المقــال
توقعات الخبراء: الأنفلونزا في المقدمة
يرجح خبراء الصحة أن تكون الأنفلونزا هي الوباء القادم، نظراً لقدرتها الفريدة على التحور المستمر وظهور سلالات جديدة منها كل عام. وقد أثبتت الأنفلونزا عبر التاريخ قدرتها على قتل مئات البشر، بعد أن تسببت في عدد كبير من الجوائح على مدى سنوات طويلة، لكن من سلالات مختلفة في كل مرة. وإلى جانب الأنفلونزا، يبرز فيروس إيبولا كاحتمال قائم، خاصة مع انتشاره في جمهورية الكونغو الديمقراطية وظهوره في مناطق أخرى، مما جعل الخبراء في حالة قلق من إمكانية انتقاله عبر الحدود.
تحذير مدير الصحة العالمية: الجائحة قادمة لا محالة
في تصريحات صحفية على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قال الدكتور تيدروس أدهانوم جبريسيوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إن “الجائحة المقبلة مسألة وقت وليست مسألة احتمال حدوثها من عدمه”، داعياً إلى استمرار الاستثمار في الاستعداد والاستجابة.
وأعرب تيدروس عن قلقه الشديد من تحويل الاستثمارات بعيداً عن الصحة والأمن الصحي نحو الإنفاق الدفاعي على الحروب. وأشار إلى أنه شارك العام الماضي في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث أعلنت دول متقدمة زيادة إنفاقها العسكري من نحو 2% إلى 4% من الناتج المحلي، ومن 3% إلى 5% أو أكثر. وكشف أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 2.7 تريليون دولار عام 2025، مقابل مستوى استثمار محدود للغاية في الأمن الصحي.
وأضاف: “أتفهم أن لدى الدول مخاوف أمنية، لكن الأمن الصحي مهم للغاية، لأن فيروساً يمكن أن يؤثر علينا جميعاً قد يظهر في أي وقت، وقد تكون عواقبه أكبر من الحرب التقليدية”. ودعا إلى تحقيق توازن بين الاستثمارات الدفاعية والاستثمارات في الأمن الصحي، محذراً من أن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلى الندم عندما تقع أزمة صحية جديدة.
تقدم محدود منذ كورونا
أوضح تيدروس أنه رغم ذلك هناك بعض أوجه التقدم في الاستعداد العالمي منذ جائحة كورونا، وإن كانت محدودة. وأشار إلى إنشاء صندوق الأوبئة بالتعاون مع البنك الدولي لدعم الدول في سد فجوات الاستعداد، وتحسين أنظمة الترصد الوبائي، وإنشاء مركز منظمة الصحة العالمية للاستخبارات الوبائية والمعلومات الوبائية لتعزيز قدرات الكشف المبكر، إضافة إلى إنشاء مبادرة BioHub لتسهيل مشاركة العينات البيولوجية بصورة أسرع.
الإنصاف في الحصول على اللقاحات
وفيما يتعلق بالإنصاف في الحصول على اللقاحات والعلاجات، قال تيدروس إن جائحة كورونا أظهرت أن مشاركة أدوات التشخيص والعلاجات واللقاحات لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها عملاً خيرياً. وأكد أن مبادرة منظمة الصحة العالمية لنقل تكنولوجيا لقاحات mRNA، وإنشاء قدرات للتصنيع الحيوي في كوريا الجنوبية، تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي ومعالجة مشكلة عدم المساواة في الحصول على المنتجات الصحية.
اتفاقية الجوائح: خطوة ضرورية
ولفت تيدروس إلى أن اتفاقية الجوائح التي جرى التفاوض بشأنها والتوصل إليها في مايو 2025 تمثل خطوة مهمة لتعزيز الاستعداد والاستجابة بصورة أكثر تنسيقاً، موضحاً أن المفاوضات بشأن ملحق مسببات الأمراض والوصول وتقاسم المنافع (PABS) لا تزال جارية.
تراجع المساعدات يضرب الاستجابة لإيبولا
وحذر تيدروس من أن تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية العالمية بأكثر من 40% أدى إلى التأثير على العديد من الدول، ومن بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقال إن تأثير هذا التراجع على الاستجابة لإيبولا “ليس محل نقاش”، مؤكداً أن العالم يجب أن يستثمر في الأمن الصحي خلال فترات السلم، وليس انتظار وقوع الأزمات ثم التحرك في حالة من الذعر. وأضاف أن خفض الاستثمارات الصحية الذي شهده العالم منذ عام 2025 أثر بالفعل على الاستجابة لإيبولا، ومن المرجح أن يستمر تأثيره على قضايا صحية أخرى.
انسحاب الولايات المتحدة: خسارة للجميع
وحول قرار الولايات المتحدة الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، قال تيدروس إن القرار “مؤسف”، معتبراً أنه يمثل خسارة للولايات المتحدة وللعالم، لأن التعاون والتضامن الدوليين ضروريان، خصوصاً في مجال الصحة والأمن الصحي. وأعرب عن أمله في أن تعيد الولايات المتحدة النظر في القرار، مشدداً على أن القضية لا تتعلق بالتمويل فقط، وإنما أيضاً بالتضامن والتعاون والقيادة الأمريكية، في ظل امتلاك الولايات المتحدة مؤسسات صحية وبحثية قوية.
وأوضح أن منظمة الصحة العالمية اتخذت بالفعل إجراءات لإصلاح وضعها المالي، وأنها بدأت إصلاحاً مالياً قبل قرار الولايات المتحدة، بعدما خلصت إلى أن الاعتماد على عدد محدود من المانحين التقليديين يمثل خطراً كبيراً على المنظمة. وأشار إلى أن المنظمة عملت على تنويع قاعدة إيراداتها، وأن الدول الأعضاء وافقت على مضاعفة مساهماتها المقررة، بحيث تمثل ما بين 50% و60% من الميزانية الأساسية للمنظمة، وهو ما وصفه بأنه خطوة مهمة للحد من تأثير الصدمات التمويلية.
وفاة الأطفال بالحصبة: أمر غير مقبول
وفيما يتعلق بتفشي الحصبة في الولايات المتحدة، قال تيدروس إنه يشعر بالقلق ليس فقط بشأن الولايات المتحدة، وإنما بشأن تفشي المرض في دول أخرى أيضاً. وأعرب عن خيبة أمله، مستشهداً بتجربة شخصية، حيث قال إن شقيقه الأصغر توفي عندما كان في عمر يتراوح بين عامين و3 أعوام، في ستينيات القرن الماضي، وكانت الأعراض التي عانى منها، وفقاً لما تتذكره والدته، تشبه أعراض الحصبة.
وأوضح أن الأطفال في ذلك الوقت كانوا يموتون من أمراض يمكن الوقاية منها، بسبب عدم توافر اللقاحات والتكنولوجيا اللازمة. وأضاف أن الوضع مختلف اليوم مع توافر لقاحات فعالة وآمنة، قائلاً إن وفاة الأطفال بسبب الحصبة في الوقت الحالي “أمر غير مقبول”، داعياً الدول إلى بذل كل ما في وسعها لحماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم.





