إسلاميات

اسفل سجاد المسجد النبوي، فيه بقعة مخفـ.ـية عن المصلين بها ثلاث دوائر

أسفل السجاد الفاخر الذي يغطي أرضية المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، توجد بقعة مخفية عن أنظار المصلين تحمل شاهداً على قصة إيمان وتضحية خالدة.

في موقع محدد، توجد ثلاث دوائر رخامية مطمورة في الأرضية، شكلها غريب ومختلف عن جميع التنسيقات والزخارف الإسلامية الفسيفسائية التي تزين المسجد.

هذه الدوائر ليست مجرد تصميم معماري عبثي، بل هي علامة شهادة حية على فعل عظيم قام به أحد أغنياء الصحابة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، ولا يزال المسجد النبوي يحفظ ذكراه تحت أقدام الزوار والمصلين.

صاحب القصة: أبو طلحة الأنصاري، الغني المتصدق

  • هويته: هو أبو طلحة الأنصاري، رضي الله عنه، وكان من قبيلة الأنصار الذين نصروا رسول الله ﷺ.

  • ثروته: اشتهر بأنه كان أكثر الأنصار مالاً وثراءً، وكانت ثروته كلها من الحلال الطيب.

  • مصادر ثروته: امتلك مزارع خصبة، إبل، نخيل، وأنعام كثيرة، قدّر الله له خيراً وفيراً في الدنيا.

  • خلقه بعد الإسلام: عندما أسلم، لم يبخل بماله، بل كان جواداً كريماً، يجود بما يملك للمسلمين ولا يمنع أحداً حاجته.

كنز أبي طلحة الأعز: بئر “بير حاء”

من بين كل ثرواته الواسعة، كان لأبي طلحة شيء مميز واحد، كان هو أحب ممتلكاته إلى قلبه والأقرب له:

  • اسمه: بئر “بير حاء”.

  • موقعه: كان يقع مقابل المسجد النبوي الشريف وعلى مقربة منه مباشرة.

  • سبب حبه الشديد لها:

    1. النفع العام: كان أهل المدينة جميعاً ينتفعون به ويستفيدون من مائه.

    2. جودة الماء: كان ماؤها طيباً نقياً عذباً، فأحبها الناس وفضّلوها على باقي آبار المدينة.

    3. البركة النبوية: وهو السبب الأكبر، أن رسول الله ﷺ كان يدخلها، ويشرب منها، ويحبها. كانت إحدى الآبار السبعة المعروفة التي شرب منها النبي ﷺ وتوضأ بها، فنالت بركته الخاصة ﷺ. هذا جعل قيمتها المعنوية عند أبي طلحة لا تُقدّر بثمن.

لحظة الاختبار الإلهي والتصدق بما يُحب

  • الآية المحفزة: لما نزل قول الله تعالى في سورة آل عمران: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

  • رد فعل أبي طلحة الفوري: فهم الصحابي الجليل أن الاختبار الحقيقي هو الإنفاق مما تُحب وليس مما تزهد فيه. فقام إلى رسول الله ﷺ.

  • الحوار العظيم مع النبي ﷺ:

    • قال أبو طلحة: “يا رسول الله، إن الله عز وجل يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وإن أحب أموالي إليّ بير حاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله”.

    • وأكمل: “فضعها يا رسول الله حيث أراك الله”.

  • رد فعل النبي ﷺ: استبشر رسول الله ﷺ خيراً بهذا الصنيع العظيم وقال له: “بخ، ذلك مال رابح”، وهي كلمة تُقال للشيء الطيب المربح.

مصير البئر والذكرى الخالدة في أرض المسجد

  • التنفيذ: نفذ أبو طلحة رضي الله عنه وصيته، وأنفق أحب ماله في سبيل الله.

  • عطاء مستمر: استمرت بئر “بير حاء” تدر ماءها وتنفع المسلمين لسنوات وقرون طويلة.

  • التوسعة والإغلاق: مع مرور الوقت واتساع رقعة المسجد النبوي بسبب التوسعات المتلاحقة عبر العصور، أصبح موقع البئر داخل المسجد. وللمصلحة العامة، تم إغلاق البئر، لكن لم تُطمس معالمه.

  • الموقع الحالي بدقة:

    • المدخل: عند الدخول من باب الملك فهد الرئيسي.

    • التحديد: بين البابين 21 و 22 (المعروفين بباب الملك فهد).

    • الموقع الدقيق: على الجانب الأيسر بعد الدخول مباشرة، تحت السجاد.

    • العلامة: بين العامودين الثاني والثالث في ذلك الصف، توجد ثلاث دوائر رخامية مطمورة في الأرضية.

    • الدلالة: هذه الدوائر هي العلامة التذكارية التي وُضعت لحفظ مكان البئر الأصلي، إكراماً لعظمة هذا الموقع وتخليداً لذكرى صدقة أبي طلحة الأنصاري.

الخلاصة: درس تحت الأقدام

قصة الدوائر الرخامية الثلاث ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي درس عملي في الإيمان والتفاني. تذكر كل زائر ومصلي بأن أعظم الصدقات هي التي تخرج من قلب متعلق بما ينفقه.

تحفظ أرض المسجد النبوي، أكثر البقاع قدسية بعد مكة، أثراً لأحد أعظم أمثلة حب الله ورسوله على الإطلاق. فهي شهادة صامتة على أن حب الله ورسوله يجب أن يكون فوق حب كل شيء، وأن الجزاء عند الله عظيم لمن ينفق مما يحب ابتغاء مرضاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى