تساعد الصور والفيديوهات الجديدة والمذهلة للبرق الأحمر المراوغ، الذي يُطلق عليه اسم “السبرايت” أو “الجنيات الضوئية”، الباحثين على فهم كيفية تشكل هذه الانفجارات الكهربائية الغامضة التي تزين السماء للحظات عابرة. تستمر هذه الظاهرة الطبيعية لأقل من ثانية واحدة فقط، وهي ترقص وتتلألأ فوق قمم العواصف الرعدية، مما يجعل رصدها من الأرض تحدياً حقيقياً للعلماء والمصورين على حد سواء.
محتــويات المقــال
أشكال متعددة من التيجان إلى الجزر وغموض حول الأسباب
يصف العديد من المشاهدين تجمعات الجسيمات المشحونة في ظاهرة “السبرايت” بأنها تُشبه قناديل البحر، حيث تظهر ككرات حمراء كبيرة ذات أذرع ممتدة تمتد إلى أسفل داخل السحب.
لكن الحقيقة أن “السبرايت” الحمراء تتخذ أشكالاً عديدة ومتنوعة، بدءاً من التيجان الملكية إلى الجزر المنعزلة، ولا يزال الباحثون والعلماء يجهلون السبب الحقيقي وراء هذا التنوع الشكلي المذهل. ونظراً لأن رؤية “السبرايت” من سطح الأرض تعتبر نادرة جداً، وذلك بسبب العواصف الكثيفة التي تحجب الرؤية وتحجب هذه الظاهرة، فإن العلماء يبحثون عنها ويرصدونها من الجو باستخدام طائرات بحثية مجهزة بأحدث التقنيات.
رحلات جوية لالتقاط صور مذهلة لفهم الكيمياء والفيزياء
تمكن طالب الدراسات العليا جيسون أهرنز من التقاط صور مذهلة لظاهرة “الجنيات الضوئية” خلال عدة رحلات جوية نفذت فوق منطقة الغرب الأوسط الأمريكي هذا الصيف، وذلك على متن طائرة الأبحاث “جلف ستريم 5” التابعة للمركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي.
أهرنز هو عضو في فريق بحثي متخصص في رصد هذه الظاهرة النادرة، ويضم الفريق طلاباً من جامعة ألاسكا فيربانكس، وأكاديمية القوات الجوية الأمريكية، وكلية فورت لويس في دورانجو بولاية كولورادو. وخلال رحلات البحث المكثفة، التقط العلماء صوراً ومقاطع فيديو عالية السرعة وفائقة الدقة، مما سيساعدهم بشكل كبير على فهم العمليات الكيميائية والفيزيائية المعقدة الكامنة وراء هذه الظاهرة الغامضة.
أسئلة بلا إجابات: ما الذي يحدث بالضبط في الكائن الرسومي؟
قال جيسون أهرنز لموقع لايف ساينس في مقابلة عبر البريد الإلكتروني: “لا يزال من غير الواضح ما الذي يحدث بالضبط في الكائن الرسومي، ولماذا توجد أنواع مختلفة من الكائنات الرسومية”. هذه العبارة تلخص حالة الحيرة العلمية السائدة حول الآليات الدقيقة التي تقف وراء تشكل وتنوع ظاهرة “السبرايت”، مما يشير إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث المتعمقة.
تأثير محتمل على الطقس والمناخ وحاجة لدراسات إضافية
أشار أهرنز إلى أن ظاهرة “العفاريت الحمراء” قد تؤثر أيضاً على الطقس والمناخ العالمي، وذلك من خلال تغيير الظروف الكيميائية والفيزيائية في طبقات الغلاف الجوي العلوية للأرض.
لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن حجم هذا التأثير أو مدى أهميته النسبية مقارنة بالعوامل الجوية الأخرى. وأضاف أهرنز قائلاً: “لا يمكننا الإجابة على ذلك دون دراستها بشكل أعمق وأكثر تفصيلاً”، مما يؤكد على ضرورة استمرار جهود الرصد والتحليل العلمي لهذه الظاهرة الفريدة.
حقائق وتفاصيل: التشكل واللون الأحمر والارتفاع الشاهق
رغم بقاء العديد من التساؤلات المعلقة حول ظاهرة “الأشباح الحمراء”، فقد تمكن العلماء من كشف بعض التفاصيل الأساسية منذ تأكيد وجود هذه الظاهرة لأول مرة في عام 1989. تتشكل هذه الظاهرة فوق العواصف الرعدية، وذلك عندما تنطلق صاعقة مشحونة بشحنة موجبة من الهواء الموجود فوق سحابة رعدية مشحونة بشحنة سالبة.
(يُذكر أن معظم البرق العادي ينتج عن صواعق مشحونة بشحنة سالبة). ويعتقد العلماء حالياً أن اللون الأحمر المميز لظاهرة “السبرايت” ناتج عن تفاعل الجسيمات المشحونة مع غاز النيتروجين الموجود بكثرة في الغلاف الجوي العلوي.
ندرة البرق الموجب وصعوبة الرؤية رغم شيوع الظاهرة
قال أهرنز، مستخدماً المصطلح التقني للبرق: “هناك ضربة برق موجبة واحدة تقريباً مقابل كل عشر ضربات برق سالبة عادية”. وأوضح أن معظم العواصف الكبيرة والحادة تُنتج على الأرجح بعضاً من هذه الظاهرة، بل إن بعضها يُنتج الكثير منها.
وأضاف: “ربما تكون هذه الظاهرة أكثر شيوعاً مما يعتقد الناس بشكل عام، لكن من الصعب جداً رؤيتها لأنها تحدث فوق السحب الكثيفة التي تحجب الرؤية عن المراقبين على سطح الأرض”.
ارتفاعات شاهقة تصل إلى الفضاء ورصد من محطة الفضاء الدولية
تستطيع ظاهرة “الأشباح الحمراء” أن تنطلق عالياً نحو الفضاء الخارجي، حيث قد يصل ارتفاعها إلى 96 كيلومتراً فوق سطح الأرض. وقد تمكن رواد الفضاء المقيمون على متن محطة الفضاء الدولية من رصد أحد هذه الأشباح بوضوح في عام 2012.
كما تمتد الخيوط الحمراء الرفيعة لهذه الظاهرة إلى طبقة الستراتوسفير، على ارتفاعات تتراوح بين 25 و32 كيلومتراً فوق سطح الأرض. وتظهر “السبرايت” في أوج سطوعها وتألقها على ارتفاعات تتراوح بين 65 و72 كيلومتراً، حيث تتداخل فيها العوامل الفيزيائية والكيميائية المثالية لإنتاج هذا العرض الضوئي الخلاب.
صائدو العفاريت يعملون ليلاً ويعتمدون على الحظ والكاميرات عالية السرعة
عمل صائدو العفاريت ليلاً طوال هذا الصيف، حيث كانوا ينتظرون بفارغ الصبر هطول العواصف الرعدية المتوقعة على ولايتي أوكلاهوما وكانساس، قبل أن يشرعوا فوراً في تشغيل كاميراتهم عالية الدقة. كانت كاميرات البحث عالية السرعة تعمل بشكل مستمر ومتواصل، مسجلةً بيانات كل ثانية حتى لا تفوت الفرصة على البشر، ذوي الأصابع البطيئة في التفاعل، لرؤية هذه العفاريت العابرة التي لا تلبث أن تختفي في أجزاء من الثانية.
كما قام أهرنز بتشغيل كاميرته الشخصية طوال الليل بشكل متواصل، وذلك لالتقاط الصور المذهلة التي عُرضت لاحقاً في وسائل الإعلام العلمية. وعلق أهرنز على ذلك قائلاً: “إلى جانب الوصول إلى العاصفة المناسبة واختيار زاوية التصوير المناسبة، كان الأمر في الغالب مسألة حظ وتوفيق، فالأشباح سريعة للغاية بحيث لا يستطيع الإنسان العادي التفاعل والضغط على زر الكاميرا في الوقت المناسب لالتقاطها”.





