في أحد أيام الصيف الخانقة، تجمّع أهالي منطقة الجامعة في المنصورة أمام عمارة سكنية عتيقة، بعد أن انتشرت رائحة كريهة تنبعث من إحدى الشقق. كانت الشقة تخص الآنسة “أسماء”، التي تبلغ من العمر 41 عامًا، وتعيش وحيدة بعد وفاة والديها. امرأة هادئة، منعزلة، قلّما يسمع أحد صوتها أو يعرف تفاصيل حياتها.
المكان الذي ظلّ لسنوات مسكونًا بالصمت، امتلأ فجأة بأصوات الجيران والشرطة والفضوليين. عند دخول رجال الشرطة، واجهوا مشهدًا مروعًا قلب المنطقة رأسًا على عقب: جثة أسماء ملقاة في غرفة النـ,,ـوم، عـ,,ـارية، عليها آثار طعـ,,ـنات متفرقة وضـ,,ـربة قوية في الرأس. الشقة في فوضى كاملة، لكن بدون أدلة واضحة: لا كاميرات مراقبة، ولا شهود عيان، ولا بصمات.
لكن الأقسى من الجـ,,ـريمة نفسها كان تقرير الطب الشرعي: أسماء تعرّضت لاعتـ,,ـداء جنـ,,ـسي بعد وفاتها. وسُرق كل ما تملك: ذهبها، نقودها، متعلقاتها الشخصية. المجـ,,ـرم مجهول، والجـ,,ـريمة بلا وجه.
انتهت التحقيقات الأولية بتسجيل القضية “ضد مجهول”، وطوى الملف في الأدراج. لكن روح أسماء لم تكن حرة، ولم تنسَ.
محتــويات المقــال
سبع سنوات من الكوابيس
مرت سبع سنوات كاملة، ثم تلقّت الشرطة مكالمة غريبة: شخص يخبرهم عن رجلين يتحدثان تحت تأثير المخدّرات عن جـ,,ـريمة قـ,,ـتل قديمة. تم تحرير محضر واستدعاء المشتبه بهم.
من اللحظة الأولى، انهار “أحمد” واعترف اعترافًا كاملاً، ليس بالجـ,,ـريمة فحسب، بل بالسبب الحقيقي الذي يعود إلى 18 عامًا خلت.
الجـ,,ـرح القديم
في عام 2004، كان طفل في التاسعة من عمره يُدعى “أحمد” يختبئ في المطبخ، حيث شاهد أبو أسماء المُدرس المُحترم وهو يتحـ,,ـرش بوالدته أثناء حصة خصوصية. الأم انكسـ,,ـرت وتدمـ,,ـرت نفسيًا، لكن لم يُكشف السر، ولم يُتحدث عنه. الأب عاش بسمعة طيبة حتى وفاته، أما أحمد فعاش بتلك الصورة تلاحقه كل ليلة، حتى كبر.
عندما مات الأب، شعر أحمد أن النار لم تخمد، وأن الذي يجب أن يدفع الثمن هي ابنته.
الجريمة المخطط لها
استعان أحمد بصديقه “كريم”، وبدءا يراقبان أسماء. وفي يوم مشؤوم، اقتحما شقتها، وهاجـ,,ـماها بقـ,,ـسوة: ضـ,,ـربات على الرأس، طعـ,,ـنات متعددة، ثم بعد أن فارقت الحياة، اعتـ,,ـديا عليها جـ,,ـنسيًا، وسـ,,ـرقا كل ما في الشقة من مال ومجوهرات، ونظّفا المكان بعناية باستخدام قفازات ومواد تعقيم. لم يتركا أثرًا.
لا بصمات، لا شهود، لا كاميرات… ولا قـ,,ـاتل معروف.
لكن كان هناك شيء واحد لم يستطيعا تنظيفه: كوابيس لا تنتهي.
الاعتراف بالصدفة
سبع سنين عاشها كريم وهو يرى أسماء واقفة عند سريره، تظهر في مناماته ويومياته. وفي إحدى الليالي، تحت تأثير المخـ,,ـدرات، انهار أمام صديقه وأفضى بسره المدفون. الصديق نقل الكلام، والشرطة تحركت فورًا.
بعد التحقيقات والمحاكمات، أحالت محكمة جنايات المنصورة أوراق المتهمين إلى المفتي، وصدر الحكم النهائي: الإعـ,,ـدام شنقًا لكل من كريم وأحمد بتهـ,,ـمة القـ,,ـتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والسـ,,ـرقة بالإكراه، وهتـ,,ـك عرض جـ,,ـثة.
الخاتمة المأساوية
أسماء مـ,,ـاتت بذنب لم ترتكبه.. دفعت ثمن خطأ وقع قبل ولادتها بسنوات، ودفعها رجلان ظنا أن الجـ,,ـريمة ستنسى. لكن الجـ,,ـريمة كانت تُحاكم كل ليلة في عقولهم، وتطاردهما حتى في لحظة انهيارهما الأخيرة.
ربنا يرحمك يا أسماء ويغفر لك ويسكنك فسيح جناته. 🤲





