على جانِب شارِع “شيكولاني” العتيق في قلب شبرا، حيث تُختزل الحياة في ضجيجٍ عذبٍ ووجوهٍ تعرف بعضها، كانت “منى” تعيش. امرأةٌ يُحسَد عليها بحسب ظاهر الأمور: زوجٌ هو “حسام” المهندس صاحب محل الصيانة، رجلٌ مستقيمٌ يَحلفُ باسمه الجيران، ويُضربُ به المثل في الوفاء والعمل الجاد.
كان الرجل يُدير دفتي حياته بيدٍ من حديد وأخرى من حرير: يحمل هموم المحل والعمل ليل نهار ليكفي طلبات منى التي لا تنتهي.
لكن جمال منى – ذاك الجمال الآسر – كان نقمةً عليها. فقد حوّلها إلى امرأةٍ مغرورة، تَرى في حياة الدَّعة والعَيلة والمحل البسيط نُقصةً لا تليق ببرستيجها المُتَوَهَّم. كانت عينها تبحثُ دائمًا عما هو أعلى، وأكثر بريقًا.
وكانت البداية من بلكونة المطبخ المُطِلَّة على المنور. هناك، في الشقة المُقابلة، استقر شابٌ جديد: “وائل”، موديل إعلانات مغمور، وسيمُ الوجه، فصيحُ اللسان، لكن جيبه خاوٍ وأخلاقه منعدمة. تبادلت النظرات أولًا، ثم الابتسامات، ثم ورقة مُلْقَاة تحمل رقم هاتفه.
سرعان ما تحولت المكالمات الخفيفة إلى حديثٍ ليليٍّ طويل، بينما كان حسام يغط في نومٍ عميق منهَكٍ من عناء اليوم. أتقن وائل العزف على وتر “الأنوثة المهملة”، فكان يغدق عليها من كلمات الإعجاب والإطراء ما جفّ منه لسان زوجها من ضغوط الرزق وهموم الحياة. “أنتِ جوهرةٌ مدفونة في حواري شبرا يا منى”، كان يهمس في أذنها عبر السماعة.
وجاء يومُ شمِّ النسيم. ذهب حسام بالأطفال لزيارة والدته في روض الفرج، بينما تعلّلت منى بـ”صداعٍ نصفي” منعها من الخروج. قبّل حسام رأسها وهو يهم بالخروج: “ارتاحي يا حبيبتي، لن أتأخر، وسأحضر لك الفسيخ الذي تحبينه عند عودتي”.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، طلعت الخيانة من مخبئها. تسلّق وائل من شباك السلم إلى سطح العمارة، ثم نزل إلى بلكونة منى. دخل الرجل إلى البيت الذي كان حتى تلك اللحظة طاهرًا بصوت القرآن وضحكات الأطفال، فدنّسه في لحظات.
لكن في شبرا، حيث النوافذ المتقابلة والنفوس المتصلة، لا يبقى سرٌّ طويلاً. ففي منزل والدته، تذكر حسام أنه نسي مفاتيح المحل في البيت، والمحل لا بد أن يُفتح مساءً لأمرٍ مهمٍ يتعلق بالرزق. ترك الأطفال وعاد مسرعًا.
دخل الباب بالمفتاح الاحتياطي في هدوء، حريصًا ألا يوقظ منى التي ظنها نائمة. وفجأة، سمع بأذنيه ضحكة… ضحكة خليعة يعرفها ولا يعرفها، قادمة من غرفة النوم. تجمّد دمه في عروقه، وثقلت قدماه. مشى بخطوات بطيئة، أشبه بالمشي نحو حتفه، نحو الباب النصف مفتوح.
دفع الباب برفق… ورأى الكابوس يجسد نفسه أمام عينيه: منى في حضن الجار، على سريره، في بيته.
لم تكن هناك صرخة في تلك اللحظة. كان هدوء حسام أرهب من الموت نفسه. لما رآه وائل، قفز من مكانه محاولاً الفرار، لكن حسام لم يبسط يده ليمسكه. كل ما فعله هو أن أخرج نفسه، وأغلق باب الغرفة بالمفتاح عليهما من الخارج.
خرج إلى البلكونة المطلة على الشارع الرئيسي المزدحم، الشارع الذي يعرفه كل من فيه، ويعرفونه: “الأسطى حسام الطيب”. وقف هناك، ورفع صوته، صوتٌ ممتلئٌ بالقهر والألم، ينادي:
“يا أهل الحارة.. يا جيراني.. يا ناس.. بيتي اتخرب. تعالوا اشهدوا العار الذي كنت أعيش فيه وأنا مغمض العينين.”
توقفت الحياة في الشارع. تَجمّع الناس. نَزلوا من بيوتهم، تطلّعوا من شبابيكهم. وجاءت الشرطة.
لم يمسك حسام سكـ,,ـينًا، ولم يُقدم على قـ,,ـتل. لقد فعل شيئًا أصعب: فضح الخيانة بدم بارد. جعل من شبرا كلها شاهدًا على سقوط بيته. حين نزل رجال الشرطة بالاثنين، كانت منى تخفي وجهها، لكن لعنات الناس ولحظات الاحتقار كانت تلاحقها من كل بلكونة ونافذة.
وفي القسم، أطلق حسام كلمة الطلاق أخيرًا، ثم نظر إليها نظرةً أخيرة حطمتها أكثر من أي حبس:
“تظنين أنني فضحتك انتقامًا؟ لا. ناديت الناس ليشهدوا أنني كنت رجلاً حتى النهاية، وأنتِ من كنتِ رخيصة. اذهبي، وانظري من سيشتري بضاعةً معيوبة.”
هكذا خسرت منى بيتها، وأولادها، وسمعتها في حارة لا تنسى. أما حسام، فأغلق شقته، وأخذ أطفاله، ومشى بعيدًا عن شبرا كلها، لأن الجدران هناك أصبحت تخنقه برائحة الخيانة.





