قصص وروايات

قصة تز9جت وعمري ثمانية عشر عاما

في الثامنة عشرة من عمرها، وقبل أن تكمل دراستها الجامعية، خطت ريهام قدومها إلى الحياة الزوجية. اختارت رجلاً بسيط الحال، قليل الرزق لكنه كريم الطبع، نقي الكسب، يعمل بيديه ويأكل من تعبه. كانت والدته امرأة طيبة أصيلة، ولزوجها خمس أخوات، وهو الولد الوحيد بينهن، فتقع على كاهله مسؤولية تجهيزهن للزواج واحدة تلو الأخرى.

في قريتهم المتواضعة، جرت العادة أن تعين الفتاة زوجها بنصف تكاليف الزواج، تخفيفاً عليه وعلى الشباب في بداية حياتهم. وكانت ريهام تعلم ذلك جيداً، ومع قلة رزقه، لم تتردد لحظة عندما أخبرها قبل الزواج بتلك المسؤولية، بل وافقت بسعادة أن تعيش معه في غرفة صغيرة داخل شقة العائلة، لتعينه على حمل أعبائه دون أن يشعر بالضغط أو التعب.

مرت سنة، ثم تلتها سنة أخرى، ولم تشعر ريهام بأي علامات للحمل. كانت تراه يدخر كل قرش ليجهز أخته الأولى، فكانت تبتلع رغبتها في الحديث عن الكشف، وتخبئ في قلبها أمنية الأمومة خوفاً من أن تزيد عليه أعباء جديدة.

وفي أحد الأيام، قالت له أخته ضاحكة: “بدأ وزنك يزداد يا ريهام، ربما تحملين طفلاً في أحشائك”. فأجابها زوجها قبل أن تنطق هي: “هذا من كثرة أكل الحلوى التي أعدها لفرحك!”.
ضحكت ريهام في ذلك اليوم، وتمنت لو فاتحته في موضوع الإنجاب، لكنه أردف بهدوء:
“الحمد لله على سعادتنا معاً، والأطفال سيرزقنا الله بهم وقت أن يشاء”.
ثم نظر إليها نظرة فيها من الحنان ما يكفي ليمسح على قلبها، وقال:
“لم أشبع بعد من الاستمتاع بك وبقلبك الحنون يا طفلتي الجميلة”.

ابتسمت ريهام، وتلاشت عن قلبها غصة التأجيل، وارتضت أن تؤجل حلمها حتى لا تكدر عليه صفو حياته.

تزوجت الأخت الأولى، وفي ليلة زفافها، تقدم عريس للأخت الثانية، فبدأ زوجها من جديد في التجهيز. ومرت السنة الثالثة، ثم الرابعة، وكانت ريهام كلما زارت أهلها، تجد أمي تنظر إلى وجهها فتقرأ فيه الحزن، وتقول لها:
“اصبري يا بنتي، زوجك أصيل وأمه طيبة، ورزقه بسيط ومسؤولياته كبيرة، فلا تحمليه فوق طاقته، ولا تتعجلي، فما زلت صغيرة”.

وقبيل زفاف الأخت الثانية بأيام، قالت حماتها لريهام: “لم أرَكِ تتجهزين لارتداء الفستان الجديد!”، فأجابت ريهام وهي تربت على يد حماتها:
“لا أريد أن أحمل زوجي المزيد، يكفيه مسؤوليتنا الكبيرة”.

قالت الحماة بدعاء صادق: “سيعوضك الله يا ابنتي بكل الرضا، جزاك الله خيراً وكتب لك الخير والبركة بإذن الله”.

وفي تلك اللحظة، دخل الزوج يحمل كيساً، وناوله لريهام قائلاً:
“ارتدي هذا الزي الجديد، اخترته بنفسي، وادخرت ثمنه دون أن أخبرك.. ما رأيك؟”

ارتدته ريهام في الحال، وكان جميلاً بهياً، وارتسمت على وجهها فرحة لم تكن تتوقعها.

تزوجت الأخت الثانية، ثم خطبت الثالثة، وبدأ زوجها بالتجهيز من جديد، لكنه في أحد الأيام عاد إلى البيت والحزن بادٍ على وجهه. سألته أمه بلهفة:
“ماذا حدث يا ولدي؟”

فأخبرهم أن الطبيب طلب إجراء بعض التحاليل له ولريهام، وأنها بحاجة للعلاج. وهكذا، انضافت تكاليف العلاج إلى قائمة الأعباء التي يحملها.

ومرت أربع سنوات أخرى، تزوج خلالها الأختين الرابعة والخامسة، ووصلت ريهام إلى الثامنة والعشرين من عمرها. ذهبا معاً إلى أكثر من طبيب، وكل التقارير أجمعت على أن الحل الوحيد هو الحقن المجهري، لكن ثمنه كان باهضاً لا يملكانه.

يئست ريهام تماماً، وبدأ عليها الحزن والاكتئاب، وهي التي تعلم جيداً حالتهما المادية، لكن زوجها لم ييأس. بدأ يضع القرش فوق القرش، وساعدته الأخوات كل واحدة بما تقدر عليه، وكان والد ريهام قد حصل على مكافأة نهاية خدمته، فأعطاها نصفها، واكتملت تكلفة العملية.

أجري الحقن المجهري، ونجح، وجاءت البشرى بأن ريهام حامل بطفلين. انتشر الخبر في القرية كلها، وفرح الصغير قبل الكبير، فالجميع يعلم كم انتظرا، وكم تمنيا تلك اللحظة.

مرت تسعة أشهر على خير، وجاء الطفلان، لكن حالتهما استدعت دخولهما إلى الحضانة. وقبل أن يمضي عشرة أيام على ولادتهما، توفاهما الله.

جاءها زوجها ليخبرها، وقال بحزن لا يخفى:
“ما ظنك برب العالمين؟”

قالت والدموع في عينيها: “رب كريم، وظني به خير”.

قال: “ورب الخير لا يأتي إلا بالخير، حتى لو آلمنا”.

قالت والجرح ينهش قلبها: “صحيح”.

قال: “استودعيهما، ولعله خير بإذن الله”.

ذهبا إلى المستشفى لتوديعهما. فلما حملتهما ريهام وضمتهما إلى صدرها، قالت بصوت مبحوح:
“صابرة أنا على فراقكما، وأنتما عصافيري في الجنة، فلا تنسياني وخذاني معكما”.

كانت رائحتهما جميلة، وقبلتهما وهي تعلم أنها المرة الأخيرة، وانهمرت دموعها كالسيل.

بعدها، فقدت ريهام الأمل تماماً في الإنجاب مجدداً. لقد أنفقا كل ما كان معهما، ولم يعد هناك ما يمكن به إعادة التجربة. فوضت أمرها لله، وأصبحت تدعو في صلاتها أن يربط على قلبها لفقد أطفالها، ويسعد زوجها، ويعظم محبتها في قلبه.

ثم جاء ذات مساء، وجلس بجانبها، فقالت له بهدوء لم تكن تتوقع أنها ستقوله:
“تزوج”.

نظر إليها متعجباً، فأردفت:
“سنبني دوراً ثانياً في الأعلى على حسب إمكانياتك، حتى لو أخذ وقتاً. وتزوج، فما ذنبك أن تعيش دون أبناء بسببي؟”

ثم تنهدت تنهيدة لم تستطع إخفاء وجعها، وقالت:
“المشكلة عندي، وليس لك ذنب أن تصبر علي وعلى أمل لم يعد هنا”.

أمسك بيدها، وقبلها، ورفض رفضاً قاطعاً، وقال:
“إنه ليحزنني أن تقولي هذا. أنا وأنت تعاهدنا أن نبقى معاً، وأنا راض بقضاء الله، وأنتِ حبيبتي وزوجتي وابنتي. لن أنسى يوماً معدنك الأصيل، وصبرك معي، ومساعدتك لي، وحبك لي ولأخواتي. وبإذن الله، بدلاً من الزواج بأخرى، سنخوض معاً الحقن المجهري مرة أخرى. ادعي كثيراً أن يرزقنا الله”.

بكت ريهام من فرط سعادتها. كلماته مسحت عن قلبها كل حزن، فهي تحبه كل الحب ولا تطيق فكرة وجوده مع أخرى.

لم تنقطع عن قيام الليل تدعو الله أن يرزقها ويكمل فرحتها على خير. مرت سنة كاملة هادئة، مليئة بالتعبد لله، وزوجها يمطرها بالاهتمام والحب.

وفي أحد الأيام، بينما كانت تمشط شعر حماتها، قالت ضاحكة:
“حلمت البارحة أني أحمل ثلاثة قراميط سمك، منظرهم جميل جداً، مختلف تماماً عن القراميط التي نعرفها. كنت أنا وأنت وزوجي، كل واحد يريد أن يأخذهم ويتسابق على حملهم. وفي النهاية، قفزوا من يدي إلى بطني وبدأوا يتحركون داخلها”.

كانت تضحك وهي تسرد حلمها، ثم قالت:
“ما رأيك لو نشتري القراميط ونطبخها؟ ربما أشتهيها، تعلمين كم أحب الأكل”.

ضحكت حماتها وهي تنظر إلى وجهها المشرق، وقالت:
“وجهك اليوم كالبدر في تمامه”.

ضحكت ريهام، فنهضت حماتها وارتدت ملابسها ونزلت لتشتري السمك. وعندما عادت، مدّت لريهام اختبار حمل.

تعجبت ريهام وسألتها: “ما هذا؟”

قالت: “جربيه”.

ضحكت كثيراً وأخذته وألقته في أحد الأدراج، ومضى عليه قرابة الأسبوع. كيف تحمل وهي التي يئس الأطباء من علاجها؟ لكن الفضول دفعها إلى تجربته.

كانت المفاجأة!

هي حامل. خرجت من الحمام تركض، تبكي وتصرخ وتضحك في آن واحد، وسجدت على الأرض باكية. جاءت حماتها ومن خلفها زوجها، فبكوا لبكائها، وقالت حماتها قبل أن تنطق ريهام بكلمة:
“هي حامل”.

استمرت لحظة من الضحك الممزوج بالبكاء، في مشهد لم تتخيله يوماً. ولما هدأت نفسها، ضمها زوجها إليه وقال:
“عوض الله يا حبيبتي، عوضنا”.

ثم نهض وطلب منها النهوض:
“هيا ارتدي ملابسك لنذهب للكشف والاطمئنان عليك”.

خرجت معه وكأنها في حلم، تخاف أن تصحو منه.

قالت الطبيبة: “حامل في شهرين ونصف تقريباً”.

وبينما بدأت ريهام تبكي، أردفت الطبيبة:
“وهناك ثلاثة أكياس حمل، مبارك عليك، حامل في ثلاثة”.

ضحك زوجه من فرط سعادته، وقال:
“ألم تبكي على اثنين من قبل؟ ها قد عوضك الله بثلاثة”.

ثم قال للطبيبة مازحاً:
“قومي بتمضيتها على ورقة أنها ستربي وحدها”.

فأجابت الطبيبة ضاحكة:
“من الواضح أن الثلاثة سيقومون بتربيتكم جيداً”.

أكرم الله ريهام وزوجها بأطفالهم الثلاثة: يوسف وياسمين وياسين، أكملوا عامهم الرابع قبل شهر. واليوم، هي حامل مرة أخرى، وتستعد لاستقبال مولودتها الجديدة بعد شهر بإذن الله.

عوض الله يفوق كل التخيلات، ينسيك ما فقدت، ويرزقك بكل ما تتمناه وأكثر. هذه القصة الحقيقية التي حدثت في مصر منذ فترة، كتبتها صاحبتها ريم السيد لتصل إلى الجميع، ولتبث الأمل في النفوس التي تصبر وتتحمل، لتعلم أن في النهاية فرجاً ورزقاً وتحقيق أمنيات بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى