في ليلةٍ شتوية باردة من عام 1815، كان الجنرال أنطوان لافاليت يجلس في زنزانته، يعلم يقينًا أن شمس الغد لن تشرق عليه إلا وهو في طريقه إلى المقصلة. الساعات المتبقية له كانت تُعد على الأصابع، لكن القدر كان له رأي آخر.
محتــويات المقــال
البداية.. من بلاط الملوك إلى ثقة الإمبراطور
وُلد أنطوان لافاليت في باريس لعائلة بورجوازية يوم 14 أكتوبر 1769، وبدأ حياته في البلاط الملكي للملك لويس السادس عشر، قبل أن تقلب الثورة الفرنسية كل شيء. التحق بالحرس الوطني، ثم بالجيش الثوري، حيث أثبت جدارته وسرعان ما رُقي إلى رتبة جنرال.
لكن اللحظة الفارقة في حياته كانت عام 1796، خلال معركة جسر أركول، حيث لفت انتباه القائد الشاب نابليون بونابرت، الذي جعله مساعدًا خاصًا له. ومنذ تلك اللحظة، أصبح لافاليت واحدًا من المقربين إلى الإمبراطور، ورافقه حتى في الحملة على مصر.
وبعد انقلاب 18 برومير عام 1799، الذي أوصل نابليون إلى سدة الحكم، كافأه الإمبراطور بمنصب حساس، إذ عينه مديرًا عامًا للبريد عام 1804، وهو المنصب الذي ظل فيه لعشر سنوات كاملة.
سقوط الإمبراطور.. وعودة نابليون التي قلبت الموازين
في أبريل 1814، ومع سقوط باريس بيد قوات التحالف، تنازل نابليون عن العرش ونُفي إلى جزيرة ألبا. لكنه لم يهدأ، ففي فبراير 1815، هرب من الجزيرة وعاد إلى فرنسا، والتف حوله الجيش والشعب، واستعاد عرشه فيما عُرف بـ فترة المئة يوم.
وهنا بدأت المصيبة بالنسبة للافاليت، فقد استعاد منصبه كمدير للبريد، لكن هذه العودة لم تدم طويلًا، إذ سقط نابليون نهائيًا بعد هزيمته المدوية في معركة واترلو.
الحكم بالإعـ..ـدام.. ودموع الزوجة التي رفضت الاستسلام
بعد سقوط نابليون، بدأت السلطات الجديدة في ملاحقة كل من ساعد في عودته. وكان لافاليت على رأس القائمة. حوكم بتهمة “تسهيل عودة الإمبراطور”، وصدر بحقه حكم بالإعـ,ـدام، على أن يُنفذ في 21 ديسمبر 1815.
لكن زوجته، إيميلي دي بوهارني، لم تكن من النوع الذي يستسلم. إنها ابنة أخت الإمبراطورة جوزفين، أي أنها من عائلة لها وزنها ونفوذها. تنقلت بين المحاكم، توسلت إلى الملك لويس الثامن عشر، ناشدته الصفح والعفو، لكن الملك كان مصرًا على تنفيذ العقاب.
الليلة الأخيرة.. خطة عبقرية تغير التاريخ
في الليلة التي سبقت الإعـ,ـدام، حصلت إيميلي على إذن بزيارة زوجها للمرة الأخيرة، ورافقتها ابنتهما جوزيفين. دخلت الزنزانة باكية، وبدا المشهد مؤثرًا للحراس، لكن ما لم يعرفه أحد هو أن إيميلي كانت تحمل في جعبها خطة جريئة.
عندما اختلى الزوجان بعيدًا عن أعين الحراس، تبادلا الملابس سريعًا! ارتدى الجنرال لافاليت ثوب زوجته، ووضع منديلًا على وجهه، وتنكر بهيئة سيدة نادبة، ثم غادر الزنزانة ممسكًا بيد ابنته جوزيفين، بينما ظل الحراس ينظرون إليه دون أن يلاحظوا شيئًا، فقد ظنوه زوجة المسجون التي تخرج مكسورة القلب.
أما إيميلي، فقد بقيت في الزنزانة مكانه، وأدارت وجهها عن الحراس طوال الليل، متظاهرة بالحداد والحزن.
اكتشاف متأخر.. وهروب إلى بر الأمان
في صباح اليوم التالي، عندما دخل الحراس لإيقاظ لافاليت وإعـ,ـدامه، فوجئوا بزوجته جالسة في مكانه! كان الأوان قد فات، فالجنرال قد اختفى تمامًا.
ألقي القبض على إيميلي وسُجنت لبضعة أسابيع، لكنها كانت سعيدة لأنها أنقذت حياة زوجها. أما أنطوان لافاليت، فقد ساعده بعض الموالين له على الفرار إلى بريطانيا، حيث عاش في المنفى بعيدًا عن الموت.
النهاية.. عودة بعد عفو، وموت بعد حياة طويلة
ظل لافاليت في بريطانيا حتى عام 1822، حينما حصل أخيرًا على عفو ملكي سمح له بالعودة إلى فرنسا. عاش هناك بسلام، حتى وافاه الأجل عام 1830 بسبب سرطان الرئة، لكنه مات حرًا، بعد أن كان على بعد ساعات قليلة من الموت.
وهكذا، دخلت حيلة السيدة إيميلي دي بوهارني تاريخ الهروب من الإعدام كواحدة من أذكى وأجرأ الخطط التي نجا بها رجل من الموت، بفضل حب امرأة لم تستسلم.





