صحة

آخر تفشيات “البكتيريا الآكلة للحوم” في العالم

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات الوفيات المرتبطة بأنواع معينة من البكتيريا العدوانية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا، وعلى رأسها بكتيريا “Vibrio vulnificus” والبكتيريا العقدية من المجموعة A، التي باتت تثير قلقاً متزايداً في الأوساط الطبية والعامة.

مصطلح غير دقيق لكنه معبّر

رغم أن وصف هذه البكتيريا بـ”الآكلة للحم” ليس دقيقاً من الناحية العلمية، إلا أنه يعكس بوضوح مدى فتكها وسرعتها في تدمير الأنسجة، حيث تُجبر الأطباء في كثير من الأحيان على بتر الأطراف خلال ساعات قليلة من الإصابة، في محاولة لإنقاذ حياة المريض.

نوعان رئيسيان تحت المجهر

يشير هذا المصطلح الشائع إلى عدة أنواع من البكتيريا القادرة على التسبب في التهاب اللفافة الناخر، وهو المرض الذي يؤدي إلى موت تدريجي للأنسجة العضلية والجلدية. وأبرز هذين النوعين اليوم هما:

  • بكتيريا Vibrio vulnificus، التي تعيش في المياه الدافئة قليلة الملوحة، حيث تلتقي الأنهار بالبحر.

  • بكتيريا Streptococcus pyogenes (المجموعة A)، التي تنتقل بين البشر عبر الجهاز التنفسي أو الجروح.

طرق العدوى والفئات الأكثر عرضة للخطر

تصل بكتيريا Vibrio إلى الإنسان عبر طريقين رئيسيين: الأول عبر ملامسة جرح مفتوح لمياه ملوثة، والثاني – وهو الأكثر شيوعاً – عبر تناول المأكولات البحرية النيئة، خاصة المحار والروبيان.

وبينما لا تشكل العدوى خطراً كبيراً على الأشخاص الأصحاء، وتقتصر غالباً على أعراض معوية بسيطة، فإنها تصبح قاتلة لدى الفئات الهشة، مثل مرضى الكبد، وضعيفي المناعة، ومرضى السكري، وكبار السن. ففي هذه الحالات، يمكن أن تتطور العدوى إلى تعفن دموي ونخر في الأنسجة خلال ساعات، وتشير إحصاءات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى وفاة واحد من كل خمسة مصابين بعدوى حادة في غضون أيام.

بكتيريا مختلفة.. مخاطر مشتركة

أما بكتيريا Streptococcus pyogenes، فتمتلك آلية انتقال مختلفة تماماً، إذ تنتقل عبر الجهاز التنفسي أو الجروح الجلدية، وليس عبر مياه البحر. وفي أخطر أشكالها، تُسبب متلازمة الصدمة السمية العقدية (STSS)، التي تصل نسبة الوفيات فيها إلى نحو 30%.

ارتفاع مقلق رغم توفر العلاج

رغم أن هذه البكتيريا معروفة منذ عقود، ولا تزال تستجيب جيداً للمضادات الحيوية الشائعة مثل البنسلين والأموكسيسيلين، إلا أن عدد الحالات الخطيرة قد ارتفع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وهو ما يُعزى جزئياً إلى ظاهرة احترار البحار، التي أدت إلى انتشار بكتيريا Vibrio من بحر البلطيق إلى مناطق جديدة في بحر الشمال والبحر المتوسط، مما وسع نطاق التهديد وفتح جبهات جديدة أمام هذا الخطر الصامت.

أحدث الفاشيات: من فلوريدا إلى اليابان مروراً بالمتوسط

يُعد السجل الأمريكي لبكتيريا “Vibrio vulnificus” الأكثر توثيقاً في العالم، حيث سجّلت الولايات المتحدة منذ عام 1988 أكثر من 2,600 إصابة وما يزيد على 700 وفاة مرتبطة بهذه البكتيريا، وتتركز الحالات على السواحل الجنوبية، خاصة في فلوريدا ولويزيانا، حيث توفر الظروف المناخية بيئة مثالية لتكاثرها.

وفي عام 2024، أدى مرور الإعصار “هيلين” في سبتمبر إلى فيضانات ساحلية رفعت عدد الإصابات بشكل كبير، إذ سجلت فلوريدا 82 حالة و19 وفاة، وهي أرقام قياسية بحسب السلطات المحلية، وبلغ إجمالي الوفيات المرتبطة ببكتيريا “Vibrio” في فلوريدا خلال ذلك العام 89 حالة، وفقاً لوزارة الصحة في الولاية.

أما عام 2025، فلم يكن أفضل حالاً، فحتى أغسطس، سجّلت فلوريدا 13 حالة إصابة و4 وفيات، بينما أبلغت لويزيانا – حيث نادراً ما كان المعدل التاريخي يتجاوز وفاة واحدة سنوياً – عن 17 حالة استدعت دخول المستشفى و4 وفيات أخرى، أي زيادة في عدد الضحايا تتجاوز 400% مقارنة بالسنوات السابقة.

وفي أحدث حالة سُجّلت في 21 يوليو 2025، توفي رجل يبلغ من العمر 77 عاماً في مدينة باي سانت لويس بولاية ميسيسيبي، بعد إصابته من خلال خدش في ساقه أثناء عمله على مقطورة قارب، ليصبح ثامن ضحية بهذه البكتيريا في الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من ذلك العام فقط.

آسيا.. قلق مختلف وأرقام قياسية

في آسيا، كان مصدر القلق مختلفاً، إذ وصلت حالات متلازمة الصدمة السمية العقدية الناجمة عن بكتيريا “Streptococcus pyogenes” في اليابان إلى 941 حالة في عام 2023، وهو أعلى رقم يُسجل حتى ذلك الحين. وفي عام 2024، جرى تجاوز هذا الرقم في غضون ستة أشهر فقط، إذ أكد المعهد الوطني للأمراض المعدية في اليابان تسجيل 977 إصابة قبل منتصف العام، مع تسجيل 77 وفاة. وكانت البلاد تُسجل بين 100 و200 حالة سنوياً منذ عام 1992، مما يجعل الأرقام الأخيرة لافتة بشكل خاص.

أوروبا تواجه الخطر من الواجهة البحرية

أوروبا، من جهتها، تواجه المشكلة من الواجهة البحرية، فبين عامي 2014 و2017، بلغ متوسط عدد حالات العدوى ببكتيريا “Vibrio” في القارة 126 حالة سنوياً. وفي عام 2018، وهو صيف حار على نحو استثنائي، تضاعف الرقم ثلاث مرات ليصل إلى 445 حالة، توزعت أساساً بين دول بحر البلطيق: النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وبولندا وإستونيا.

وفي يونيو 2026، ومع بداية الصيف، انطلقت موسم وصفه المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) بأنه عالي المخاطر.

أما إسبانيا، فليست نقطة انطلاق من الصفر، إذ سجّلت منطقة غاليسيا ثلاث فاشيات مهمة لأنواع من جنس “Vibrio” خلال العقدين الماضيين: 64 مصاباً في عام 1999 بعد تناول المحار، و80 في عام 2004، ونحو 100 في عام 2012 بعد تناول روبيان فاسد. وفي الحالات المسجلة في إسبانيا، ارتبطت العدوى دائماً باستهلاك المأكولات البحرية.

الحرارة كحليف خطير.. تهديد يتصاعد مع ارتفاع درجات الحرارة

السؤال الأهم ليس عدد الوفيات فحسب، بل سبب استمرار ارتفاع هذه الأرقام، والإجابة تكمن إلى حد كبير في حرارة المياه، فبكتيريا جنس “Vibrio” تزدهر عندما تتراوح حرارة المياه بين 20 و35 درجة في بيئات مائية ذات ملوحة متوسطة.

هذه الظروف، التي كانت في السابق محصورة بالمناطق المدارية وشبه المدارية، باتت تمتد كل صيف إلى دوائر عرض كانت قبل ثلاثين عاماً باردة جداً بالنسبة لهذا الكائن المجهري. وقد وثّق عالم الأوبئة يان كارلو سيمينزا من جامعة أوميو في السويد هذه العلاقة المباشرة: كلما ارتفعت حرارة سطح البحر، زاد عدد حالات العدوى.

وتقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة أن درجة حرارة سطح البحر في أوروبا ارتفعت بمعدل يتراوح بين أربعة وسبعة أضعاف أسرع من المتوسط العالمي لارتفاع حرارة المحيطات. ويُعد البحر الأبيض المتوسط، الذي تصفه الأوساط العلمية بأنه من أكثر المناطق هشاشة أمام الاحترار العالمي، بيئة ملائمة بشكل خاص، ليس بسبب الحرارة وحدها؛ إذ يؤدي تقلص أحجام المسطحات المائية بفعل الحر إلى تركيز البكتيريا في الكتلة المائية المتبقية، مما يزيد مخاطر التعرض لها.

توقعات مستقبلية ومخاطر متصاعدة

في يوليو 2024، نشرت هيئة سلامة الأغذية الأوروبية (EFSA) تقييماً شاملاً لمخاطر هذه البكتيريا، وكان واضحاً: من المتوقع أن يزداد انتشارها في المأكولات البحرية في أوروبا وبقية أنحاء العالم نتيجة التغير المناخي، وتشمل هذه التوقعات توسع البكتيريا جغرافياً نحو مناطق ساحلية تكاد لا تُرصد فيها اليوم.

أما المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، فقد طوّر نظام مراقبة يعتمد على بيانات الأقمار الاصطناعية لحرارة المياه وملوحتها، ويُنتج خرائط مخاطر آنية توجه تحذيرات السلطات الوطنية، وتشير التوقعات الراهنة إلى أن البؤر الرئيسة ستكون في البحر الأسود وبحر الشمال وبحر البلطيق.

البكتيريا رسائل.. والقصة هي البحر

لا يقتصر الأثر على الصحة العامة، فهاتيم أزناغو، محلل سياسات المناخ ومرونة الطاقة في الاتحاد من أجل المتوسط، يلخص الوضع بدقة قائلاً: “البكتيريا ليست هي القصة؛ إنها مجرد رسائل تحملها. القصة هي بحر اختل توازنه بفعل الحرارة والتلوث”. فإغلاق شاطئ خلال ذروة الموسم السياحي يعني خسائر اقتصادية فورية للفنادق والمطاعم وشركات السياحة.

ويُعدّ البحر الأبيض المتوسط منطقة العطلات الأكثر استقطاباً للزوار في العالم، مما يضخم أثر أي إنذار صحي. وقد ارتفعت حالات العدوى ببكتيريا “Vibrio” بأكثر من 84% منذ مطلع العقد الأول من الألفية، وفقاً للبيانات المتاحة. وإذا لم تنعكس هذه النزعة، فإن ما يُعد اليوم خطراً موسمياً ومحدوداً قد يتحول على المدى المتوسط إلى مشكلة بنيوية للصحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى