كثيراً ما يغفل الناس عن حقيقة أن ألمانيا عندما غزت بولندا عام 1939، لم تكن تفعل ذلك بمفردها، بل تصرفت بالتنسيق الكامل مع الاتحاد السوفيتي. كان النظامان الشموليان قد وقعا في وقت سابق من ذلك العام على اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب السرية، التي تضمنت بنوداً لتقسيم بولندا بين القوتين العظميين
. وبعد ستة عشر يوماً فقط من شن هتلر هجومه على الحدود الغربية لبولندا، شن الجيش الأحمر السوفيتي هجوماً عنيفاً من الجهة الشرقية. وتمكنت القوتان من تقسيم بولندا وفقاً للخطة المرسومة، وتعايشتا لفترة من الزمن بسلام نسبي، قبل أن تندلع بينهما حرب ضروس عام 1941.

محتــويات المقــال
معاناة الأطفال البولنديين في الاتحاد السوفيتي
تسبب الهجوم السوفيتي على بولندا في مأساة إنسانية كبيرة، حيث تيتم آلاف الأطفال البولنديين الذين فقدوا ذويهم في غمار الحرب والاضطرابات. تم نقل هؤلاء الأطفال قسراً إلى عمق الأراضي السوفيتية، حيث وضعوا في معسكرات ودور أيتام مؤقتة في ظروف مزرية.
في كثير من الأحيان، تُرك هؤلاء الأطفال ليواجهوا مصيرهم وحدهم، حيث كان الكثير منهم يموتون بسبب الأمراض المنتشرة أو الجوع الشديد، في واحدة من أبشع صفحات الحرب العالمية الثانية.
العفو السوفيتي وبداية رحلة البحث عن ملاذ آمن
في عام 1941، وتحت ضغوط الحرب المتغيرة، أعلنت السلطات السوفيتية عفواً عاماً سمح بموجبه للاجئين الصغار المعدمين بمغادرة الأراضي السوفيتية والبحث عن ملاذ آمن في بلدان أخرى. توزع هؤلاء الأطفال بعد ذلك على عدة دول بعيدة مثل المكسيك ونيوزيلندا، لكن الهند كانت السباقة والأولى التي مدت يد العون وقدمت المأوى الحقيقي لهؤلاء الأيتام.
المهراجا الكريم يفتح أبوابه
في هذه الأثناء، تطوع المهراجا جام صاحب ديجفيجايسينجي رانجيتسينجي، حاكم إمارة نواناجار الواقعة في الهند البريطانية آنذاك، لتوفير مأوى آمن لمئات الأطفال البولنديين. كان المهراجا يشغل منصب مندوب هندوسي في مجلس الحرب البريطاني، مما جعله على دراية كاملة بالوضع الدولي المتأزم آنذاك.

دفعه كرمه وإنسانيته إلى تقديم عرضه فوراً دون تردد. تم نقل الأطفال إلى الهند بجهود مشتركة من أفراد جيش أندرس (القوة المسلحة البولندية التي تشكلت في الاتحاد السوفيتي بعد العفو)، ومنظمة الصليب الأحمر، والقنصلية البولندية في بومباي، بالإضافة إلى مسؤولين بريطانيين.
الوصول إلى الجنة في بالاشادي
في أوائل عام 1942، قامت المجموعة الأولى المكونة من 170 يتيماً برحلة شاقة بطول 1500 كيلومتر عبر شاحنات انطلقت بهم من مدينة عشق آباد وصولاً إلى بومباي (مومباي حالياً).
ومن هناك، توجه الأطفال إلى بلدة بالاشادي الساحلية الصغيرة، التي تبعد 25 كيلومتراً عن جامناجار عاصمة إمارة المهراجا. بعد المعاناة الجهنمية التي عاشوها في الاتحاد السوفيتي، بدت لهم هذه البلدة وكأنها جنة حقيقية على الأرض.
كلمات المهراجا التي غيرت حياتهم
عند وصول الأطفال، استقبلهم المهراجا ديجفيجايسينجي بكلمات مؤثرة لا تزال محفورة في ذاكرتهم، حيث قال لهم: “لم تعودوا أيتاماً. من الآن فصاعداً أنتم من الناونجاريان، وأنا بابو، أبو جميع الناونجاريان، لذا فأنا أبوكم أيضاً”.
لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارات ترحيب، بل ترجمها المهراجا إلى أفعال ملموسة، فبنى لهم مساكن مشتركة مجهزة تجهيزاً جيداً، وخصص لكل طفل سريره الخاص. كما وفر لهم بسخاء كل ما يحتاجونه من غذاء وكساء وتعليم وترفيه، حتى أصبحوا لا ينقصهم شيء.
حياة كريمة للأطفال البولنديين
بين عامي 1942 و1946، وجد أكثر من 600 طفل بولندي ملاذاً آمناً في الهند بفضل كرم المهراجا. تم توفير كل سبل العيش الكريم لهؤلاء الأطفال، من طعام وملبس ورعاية صحية متكاملة. سمح الحاكم الكريم باستخدام دار الضيافة في قصره بالاشادي كمدرسة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة. كما أنشأ مكتبة خاصة ضمت آلاف الكتب البولندية حتى لا ينسى الأطفال لغتهم الأم وثقافتهم الأصلية.
الاهتمام بالفن والرياضة
اعتاد الأطفال على إقامة عروض مسرحية بانتظام، وكان المهراجا ديجفيجايسينجي حريصاً على حضور هذه العروض دائماً. وبعد انتهاء كل عرض، كان يدعو الممثلين الصغار لتناول الشاي ويقدم لهم الحلوى بنفسه، كما يروي فيسواف ستيبولا، أحد هؤلاء الأيتام، في كتابه “في منزل المهراجا البولندي”.
لم يقتصر الاهتمام على الجانب الفني فقط، بل مارس الأطفال أيضاً مختلف الأنشطة الرياضية مثل كرة القدم والكرة الطائرة والهوكي على العشب، بل وشاركوا في رحلات التخييم والاستكشاف.
لحظة الوداع المؤثرة
عندما انتهت الحرب واضطر الأيتام البولنديون إلى العودة إلى وطنهم المحرر، انكسرت قلوب الجميع، الأطفال والمهراجا على حد سواء. كانت العلاقة التي تربطهم قد تجاوزت مجرد علاقة مضيف بضيوف، لتصبح علاقة أب حقيقي بأبنائه، مما جعل لحظة الفراق صعبة ومؤثرة للغاية.
طلب المهراجا المتواضع
لم يطلب المهراجا ديجفيجايسينجي أي تعويض مادي مقابل مبادرته الإنسانية الكريمة، رغم التكاليف الباهظة التي تحملها طوال السنوات الأربع. كانت أمنيته الوحيدة، التي عبر عنها خلال حديثه مع الجنرال البولندي فلاديسلاف سيكورسكي، أن يُطلق اسمه على شارع صغير في بولندا المحررة، تخليداً لذكراه وذكرى الأطفال الذين أنقذهم.
الاعتراف المتأخر بفضل المهراجا
للأسف الشديد، لم يتحقق حلم المهراجا في حياته. كان النظام الشيوعي الذي حكم بولندا بعد الحرب متردداً للغاية في الاعتراف بمحنة الأيتام البولنديين في الاتحاد السوفيتي، خوفاً من أن تسليط الضوء على هذه القصة يفضح الفظائع التي ارتكبها الجيش الأحمر بحق البولنديين. ولم يُطلق اسم ديجفيجايسينجي على أي معلم في بولندا إلا بعد التحول السياسي الكبير عام 1989، عندما أصبحت بولندا دولة مستقلة تماماً عن النفوذ السوفيتي.
تكريم خالد للأمير الكريم
منذ عام 2012، تعرف حديقة صغيرة في منطقة أوخوتا جنوب غرب العاصمة وارسو باسم “ساحة المهراجا الطيب”، تخليداً لذكرى هذا الأمير الهندي الكريم. كما أقيم نصب تذكاري تكريماً له في نفس المنطقة، ومنحته الحكومة البولندية بعد وفاته وسام صليب القائد من وسام الاستحقاق لجمهورية بولندا، اعترافاً بجميله الكبير الذي لن تنساه الأجيال البولندية المتعاقبة.





