قصص وروايات

قصة العجوزتين

كان في بني إسرائيل رجلٌ متزوّج، يحب زوجته حبًّا شديدًا، ويُصغي إلى كلامها ولا يردّ لها طلبًا.
وكان لهذا الرجل أمٌّ كبيرة في السن، عجوزًا لاتبصر، لكنها كانت امرأة صالحة صادقة، نقية القلب، محسنة الظن بالله.
وكما كان للرجل أمٌّ عجوز، كانت لزوجته أيضًا أمٌّ عجوز كبيرة في السن لا تبصر، لكنها على العكس تمامًا؛ كانت امرأة سوء، خبيثة الطبع، سيئة القلب، حاقدة، لا تعرف للخير سبيلًا.
وكانت أمّ الزوجة تُغري ابنتها وتحرّضها على أمّ زوجها، وتملأ صدرها حقدًا وكرهًا، حتى صارت الزوجة لا تطيق رؤية حماتها، ولا تحتمل وجودها في بيتها.
ومع كثرة التحريض والوسوسة، قالت الزوجة لزوجها ذات يوم، وقد امتلأ قلبها قسوةً:
والله لا أرضى عنك أبدًا، ولا أعيش معك في رضًا، حتى تُخرج أمك من بيننا، وتُبعدها عني!
ورغم بشاعة الطلب، استجاب الرجل لزوجته، إذ غلبه هواه، وفضّل رضا زوجته على برّ أمه. فأخذ أمَّه العجوز، وخرج بها إلى فلاةٍ من الأرض؛ أرضٍ قاحلة لا ماء فيها ولا طعام، ولا أنيس ولا مأوى، وتركها هناك وحيدةً لتفترسها السباع، ثم انصرف عنها وقلبه قاسٍ.
كرامة الصالحة
فلما أقبل الليل، واشتدّ الظلام، وسمعت العجوز زئير السباع وأصوات الوحوش من حولها، أرسل الله إليها مَلَكًا من ملائكته.
فقال لها المَلَك:
يا أيتها العجوز، ما هذه الأصوات التي أسمعها حولك؟
فقالت، وهي ثابتة القلب، حسنة الظن بربها:
خيرٌ إن شاء الله، هذه أصوات بقرٍ وإبلٍ وغنم.
فقال المَلَك:
خيرًا فليكن.
ثم انصرف عنها.
فلما أصبح الصباح، تحوّل الوادي القاحل إلى وادٍ عامر، ممتلئ بالإبل والبقر والغنم، رزقًا واسعًا من الله، وكرامةً لصبرها وحسن توكلها.
انكشاف الحقيقة
وفي الصباح، قال الرجل في نفسه:
لعلّي أذهب لأنظر ما فعلت أمّي، أحيّة هي أم هلكت؟
فذهب إليها، فإذا به يرى واديًا يعجّ بالماشية من كل نوع، ورأى أمَّه جالسة في عافية.
فقال لها متعجبًا:
يا أمّاه، ما هذا الذي أراه؟
فقالت:
يا بنيّ، هذا رزق الله وعطاؤه، جزاءً لما فعلت بي؛ إذ عققتني وأطعت زوجتك في معصيتي.
فندم الرجل، وحمل أمَّه معه، وساق ما أعطاها الله من الإبل والبقر والغنم، وعاد بها إلى بيته.
قسوة أخرى وعاقبة أُخرى
فلما رأت زوجته ما جاء به من المال، لم يزدها ذلك إلا حقدًا، فقالت له:
والله لا أرضى عنك حتى تفعل بأمي ما فعلت بأمك، وتضعها في نفس الموضع، ليصيبها مثل ما أصاب أمك!
فانقاد لها مرة أخرى، وأخذ أمَّ زوجته العجوز، ووضعها في نفس المكان، ثم تركها وانصرف.
فلما أقبل الليل، وسمعت العجوز أصوات السباع، جاءها المَلَك نفسه، فقال:
أيتها العجوز، ما هذه الأصوات التي أسمعها حولك؟
فقالت، وقد غلب عليها الخوف وسوء الظن:
شرٌّ والله، هذه أصوات سباعٍ تريد أن تأكلني!
فقال المَلَك:
شرًّا فليكن.
وانصرف عنها.
فما هي إلا لحظات حتى جاءها سبعٌ من السباع فافترسها وأكلها.
نهاية مأساوية
فلما أصبح الصباح، قالت الزوجة لزوجها:
اذهب فانظر ما فعلت أمي.
فذهب، فلم يجد منها إلا بقايا عظامٍ تركها السبع.
فعاد إلى زوجته وأخبرها بما رأى، فانهارت حزنًا على أمها، وكان قد جمع عظامها في كساء، وحملها معه، فلما وضعها بين يدي ابنتها، ما لبثت أن ماتت كمَدًا وحزنًا شديدًا.
✨العبرة
برّ الوالدين نجاة، وعقوقهما هلاك
وحسن الظن بالله حياة، وسوء الظن به هلاك
فمن رضي الله عنه كفاه، ومن أسخطه خذله ولو ملك الدنيا.
“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى النافع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”
المصدر: 📚
كتاب المنتظم في تاريخ الملوك و الامم للإمام ابو الفرج بن الجوزي جزء ثاني. 📖

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى