في حلقة اليوم، نتناول شخصية عدوانية بطبعها، ترتكب جـ,,ـريمتها مهما بلغ بشـ,,ـاعتها، سعيًا لإشباع رغبة داخلية مضطربة، على الرغم من أن الحياة منحته كل سبل الرفاهية. والده لواء متقاعد وفّر له كل أشكال الترف، يقود أحدث السيارات، ويسكن في أحد أرقى أحياء القاهرة. يشارك في رحلات الصيد، ويعشق الفروسية، ويقود الدراجات النارية، ويرتاد أرقى نوادي القاهرة مع أبناء الذوات.

أنيق يواكب أحدث خطوط الموضة. إذا تعاملت معه تجده مهذبًا وكريمًا. حاصل على شهادة G.C.E الأجنبية. إنه أحمد حلمي، الذي شغل الرأي العام في مصر أشهرًا عام 1991 بعدما قتل أحد أصحاب الملايين وزوجته وخادمته، وارتكب سـ,,ـرقات عديدة كان أشهرها سـ,,ـرقة شقة الفنانة مها صبري واقتحام فيلا العالم المصري الدكتور أحمد شفيق، فاشتهر بلقب سـ,,ـفاح العجوزة.
يقول أحمد حلمي في اعترافاته: «أنا مجـ,,ـرم لا أستحق أن يتعاطف معي أحد. قتـ,,ـلت مع سبق الإصرار بهدف القـ,,ـتل لا السـ,,ـرقة. لا تفسروا أفعالي بأنها نتيجة تفكك أسري. أنا المسؤول عنها وحدي ولا ذنب لأسرتي ولا أسباب نفسية دفعتني إلى ذلك، كما لم أشعر بتأنيب الضمير إلا حين قتـ,,ـلت الشغالة.
أما المليونير وزوجته فنسيتهما تمامًا. كنت أحلم بأن أكون طيارًا. الآن أحلم بالطيران أيضًا، إلى ما لانهاية، إلى حبل المشـ,,ـنقة. حطم والدي حلمي ومنعني من الالتحاق بالثانوية الجوية بعدما كنت قدمت أوراقي فيها عام 1983. كان مستقبلي سيتغير تمامًا لو دخلت الثانوية الجوية ثم كلية الطيران، لكن أمي التي انفصلت عن أبي وهي حامل بي اتفقت معه على منعي من ذلك. أحسست بعد ذلك بأنني محطم وأصبحت مخلوقًا مختلفًا تمامًا.
كنت أفكر بمفردي في اغتـ,,ـيال شخصيات معروفة أو في تفجـ,,ـير سفارات أجنبية… لم يكن أبي صديقًا لي البتة. حاولت كثيرًا خلق التفاهم بيننا إلا أن محاولاتي باءت دائمًا بالفشل. كان يحبني كثيرًا لكنه كان عنـ,,ـيفًا جدًا. كان ثمة الكثير من المشاكل العائلية في منزلنا وأحسست وقتئذٍ بأنني أريد الخروج من مصر فسافرت إلى العراق.
بمجرد نزولي في مطار بغداد ركبت التاكسي متوجهًا إلى مركز تطوع في الجيش العراقي لمحاربة إيران. تابعت تدريبات خاصة منتقلًا بالفعل إلى جبهة القـ,,ـتال حيث حـ,,ـاربت لثلاثة شهور لكني خفت على والدي فعدت إلى مصر».
بدأت فصول القصة الدامـ,,ـية يوم 7 أبريل عام 1991، حين وجد المليونير حامد مندور وزوجته وخادمتهما مقـ,,ـتولين والشقة مسـ,,ـروقة. مع ذلك كانت تفاصيل الحادث تشير إلى وجود دافع غير السـ,,ـرقة وراء القـ,,ـتل. عثر على جـ,,ـثة المليونير في أحد الشوارع القريبة من بيته في حين وجدت جـ,,ـثة زوجته وخادمتهما في الشقة.
تم تشكيل فريق بحث بقيادة مدير إدارة البحث الجنائي في الجيزة الذي بدأ عمله بفحص لائحة المطلوبين في جـ,,ـرائم السـ,,ـرقة فضلًا عن الأشخاص الذين لهم علاقة بالمليونير بينهم المهندس رأفت وشقيقه الصيدلي اللذان قضيا فترة عقوبة في السجـ,,ـن بعد الحكم عليهما في جـ,,ـريمة مخـ,,ـدرات وكان المليونير القتـ,,ـيل هو الذي أبلغ عنهما. توصل رجال المباحث بعد التحقيق معهما إلى اسم أحمد محمود حلمي المسجل لدى الشرطة على لائحة مرتكبي سـ,,ـرقة المنازل.
كان التقى رأفت وشقيقه في السجن وربطت بينهم علاقة صداقة فعرف منهما معلومات كثيرة عن رجل الأعمال المليونير حامد مندور. توقف رجال المباحث عنده لا سيما أوصافه التي تكاد تتطابق مع أقوال الشهود الذين أدلوا بمعلومات عن قـ,,ـاتل المليونير: شاب طويل ونحيل، أبيض اللون، له أنف بارز. بدأ البحث عن أحمد حلمي. كان أحمد يقطن مع زوجته في شقة مفروشة في شارع السودان.
تركها منتقلًا إلى شقة أخرى في حي المعادي. شكلت لحظة وصول الشرطة إليه أكبر مفاجأة في حياته لأنه كان متيقنًا من نجاح جـ,,ـريمته وأجرى جراحة تجميل وغير شكل أنفه. كان تذكر ليلة الحادثة أنه ترك بصماته على سيارة القتـ,,ـيل فعاد إليها مرة جديدة ورشها بسائل إطفاء الـ,,ـحريق لإخفاء الأثر.
بدأت تفاصيل الجـ,,ـريمة تتضح أمام رجال المباحث. حاول أحمد اقتحام شقة المليونير لسـ,,ـرقتها لكنه فشل في ذلك. انتحل صفة ضابط شرطة فقصد القتـ,,ـيل طالبًا منه مرافقته إلى القسم لأخذ أقواله حول البلاغ المقدم منه بخصوص محاولة اقتحام الشقة. استقل سيارة القتـ,,ـيل ثم توقف به في مكان شبه خالٍ مطلقًا عليه الرصـ,,ـاص من مسدس مزود بكاتم للصوت. بعد ذلك عاد إلى شقة القتـ,,ـيل. فتحت له الشغالة الباب وكان اعتقد أنها غادرت الشقة.
قال لزوجة القتـ,,ـيل إنه عاد ليحرسها حتى يعود زوجها خوفًا من عودة اللص. انتظر قليلًا ثم أطلق رصاص مسدسه الكاتم للصوت على الخادمة ثم على سيدة المنزل زوجة القـ,,ـتيل. رأته إحدى الجارات فأطلق عليها رصاصة لكنها لم تصبها. ثم أطلق عيارًا آخر لإرهاب البواب وعدد من المصلين الذين كانوا خارجين من المسجد المجاور للعمارة. ثم واصل هربه في هدوء معتقدًا أنه لم يترك خلفه دليلًا واحدًا.
يقول أحمد: «الخطأ الوحيد في الموضوع هو رأفت. تصوّرت أن رجال المباحث لن يشكوا فيه لأنه لم يكن يعرف خطتي لقـ,,ـتل المجني عليهم وأنا لم أشركه معي». مضيفًا: «أنا قتـ,,ـلته بالفعل مع سبق الإصرار حتى في حال نجحت في السـ,,ـرقة كنت سأنتظره وأقتـ,,ـله. القـ,,ـتل صعب وخاصة السيدات، لكن كان هدفي قتـ,,ـل الرجل وزوجته فحسب وحين أقرر شيئًا لا بد من أن أنفذه مهما يكن الثمن، أما الشغالة فحظها سيئ لأنها تنصرف عامة آخر النهار ولا أعرف ما الذي جعلها تبقى تلك الليلة للمبيت».
أصر أحمد في التحقيقات على ارتكابه الجـ,,ـريمة البشعة وهو بكامل قواه العقلية وأنه كان يبيت النية على ذلك. قال أثناء تحقيق النيابة معه في قضية سـ,,ـرقة سابقة أنه سينتقم من رجال الأمن بارتكابه جـ,,ـريمة كاملة بحيث يفشل هؤلاء في التوصل إلى معرفة الجاني انتقامًا منهم لأنهم قبضوا عليه.
صحيفة سوابق أحمد تقول إنه اشترك في سـ,,ـرقة شقة الفنانة مها صبري عام 1980 وكان عمره وقتذاك 14 عامًا ثم اتهم في سـ,,ـرقة عدد من المنازل والسيارات ودخل السجـ,,ـن للمرة الأولى عام 1986 وخرج منه عام 1989. خلال تلك الفترة ساعد أحد المتهمين في جريمة قـ,,ـتل على الهرب من قاعة المحكمة ويدعى عاطف زخاري.
يعترف أحمد: «عقب سـ,,ـرقة شقة الفنانة مها صبري عاقبني والدي بأن باع حصاني الذي سبق أن اشتراه لي من نادي الفروسية ومنعني من الذهاب إلى النادي، ثم باع الموتوسيكل. كان الحصان والموتوسيكل هما كل شيء في حياتي». عن علاقته بعاطف زخاري قال: «التقيت به في العراق عام 1983. مرت السنون وقابلته في السجن. عرفت منه أنه متهم في جريمة قـ,,ـتل وأنه ينتظر حكمًا بالإعـ,,ـدام.
قال لي: عايز أهرب، قلت له ومستني إيه؟ قال محتاج سـ,,ـلاح. كنت عملت فترة كتاجر سـ,,ـلاح، فأعطيته عنوان أحد تجار الأسـ,,ـلحة وكلمة سر معينة فقصده ابن أخته فاشترى منه مسـ,,ـدسًا. أعطاه إلى عاطف في المحكمة داخل علبة مناديل استخدمه هذا الأخير في الهرب من قاعة المحكمة…
نجحت الخطة. حين حقق البوليس مع ابن أخته أفاد عن مكان التاجر الذي دللته عليه، وبما أن التاجر كان يعيش في منطقة يصعب على الشرطة اقتحامها قالوا إن والدي هو الذي أحضر المسـ,,ـدس وهذا غير حقيقي. لكن بعد القبض على عاطف اعترف بالحقيقة».
يتابع: «أنا أسـ,,ـرق لأنني في حاجة إلى النقود. حين أجد نفسي مفلسًا أقرر أن أفعل شيئًا ما، ثم أنسى تمامًا ما فعلت وأعود إلى حياتي الطبيعية. لا أبوح بأفكاري لأحد ولا يستطيع أحد أن يؤثر فيّ ما عدا زوجتي الوحيدة التي تستطيع ذلك. نفسي بابا ينساني، أنا أصبحت شخصًا مختلفًا غير الذي رباه. خلق مني السجن بالذات إنسانًا مختلفًا تمامًا. تعلمت فيه أن أشك في كل شيء حولي كما تعلمت فيه كل شيء سيئ، بدءًا من تجارة المخـ,,ـدرات وانتهاء بالسياسة، إذ كنت أسمع عن التنظيمات السرية وأردت الانخراط فيها».
في سجل أحمد الإجرامي واقعة في غاية الغرابة، تفاصيلها في البلاغ الذي تقدم به الدكتور والعالم الكبير أحمد شفيق صاحب الاكتشافات المعروفة في علاج الأمراض المستعصية، يقول فيه: في اليوم الثاني من شهر رمضان عند الساعة العاشرة فوجئت بشابين يقتحمان الفيلا، ادّعيا في البداية أنهما من الشرطة، حتى خلا البيت ثم قيدونا بالحبال أنا وزوجتي الدكتورة ألفت السباعي وابني والخدم.
وضع أحدهما المسـ,,ـدس في رأس زوجتي طالبًا منها مفاتيح الخزانة. فأعطتها له. أمر زميله بأن يفك قيودي وأخذ يسألني عن أبحاثي الخاصة بعلاج الإيـ,,ـدز قائلًا إنه يريد الميكروفيلم المسجل عليه هذه الأبحاث. قلت له إنني لا أتركه في البيت ولا في مصر كلها وهذه هي الحقيقة.
فقام بتفتيش البيت ولما تأكد من عدم وجوده اعتذر قائلًا إنه مكلف من جهة عالمية بهذه المهمة وهددني بأن هذه الجهة ستنتقم مني إن أبلغت الشرطة. بالطبع صدقت كلامه فلم أبلغ الشرطة. حين تأكدت من أنني في مأمن أبلغت الشرطة لاحقًا.
يضيف: «لا أعتقد أنه شخص مجنون بل طبيعي جدًا ومتزن ويعي جيدًا ما يقول كما أنه مهذب وأنيق وأيضًا مثقف ولم يحاول السـ,,ـرقة على الإطلاق بل على العكس أعطى أحد الخدم بقشيشًا». فسرت جهات التحقيق محاولة سطوه على فيلا الدكتور شفيق بأنه كان يريد الحصول على دواء معالجة الإيـ,,ـدز الذي قيل حينذاك أن الدكتور شفيق توصل إلى اكتشافه على أساس أنه تعرض للاغتـ,,ـصاب في السجن.
ويظن أنه أصيب بهذا المرض اللعين. في جانب آخر يقول أحد رجال التحقيق إن أحمد كان يعتقد بالفعل أن هذا الاكتشاف يساوي الملايين وأنه كان يريد الحصول على سره ومحاولة التصرف به من خلال بيعه إلى إحدى شركات الأدوية مستغلًا إلمامه باللغة الإنكليزية وقدرته على التخاطب مع هذه المستويات.
تحدّث أحمد عن خططه ومشاريعه المختلفة والمتناقضة قائلًا إنه كان ينوي السفر إلى إيطاليا أو لبنان واغتـ,,ـيال شخصية سياسية معروفة كما كان يخطط لتفـ,,ـجير سفارة دولة كبرى لكن عملية القبض عليه أوقفت أحلامه الدمـ,,ـوية هذه فبات يمضي أيام عمره الأخيرة حالما بحبل المشـ,,ـنقة فحسب وهو الحلم الوحيد في حياته الذي تحقق.





