أخبار الفن

وفاة الفنان محمد مرزبان تاركا وصيته الاخيرة

كان الفنان محمد مرزبان يردد دائماً بعينين تلمعان شغفاً أن الموتوسيكل ليس مجرد وسيلة مواصلات في حياته، بل هو صديقه الوفي وملاذه الآمن، ذلك المكان الذي يجد فيه راحته النفسية وينسى هموم الدنيا، ويشعر أثناء انطلاقه على الطرقات وكأنه يجلس أمام بحر هادئ يغسل روحه من كل تعب.

استمر هذا العشق العميق لأكثر من خمسة عقود، لم تنقطع خلالها علاقته بهذه الهواية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويته اليومية، يرتبط بها في السراء والضراء، حتى جعلته يخوض رحلات طويلة عبر المحافظات، ومن أبرزها رحلته الشهيرة إلى أسوان التي حملت بصمته الخاصة،

لكن القدر كان له رأي آخر، ففي لحظة عابرة على طريق مصر الإسماعيلية، تحولت هذه الهواية التي منحته السعادة طوال عمره إلى سبب رحيله، بعد حادث تصادم مروّع أنهى نصف قرن من العشق على عجلتين، ليترك خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً كبيراً، وقلوباً محطمة بين أسرته ومحبيه وجمهوره الذي اعتاد أن يراه في أعماله الخالدة.

خمسة أيام من الصراع.. جراحة دقيقة وإصابات بالغة لم ترحم

خاض الفنان الراحل معركة شرسة مع الموت امتدت لخمسة أيام كاملة داخل أسوار المستشفى، حيث أُدخل فور وصوله بعد الحادث إلى غرفة الطوارئ في حالة حرجة، ليخضع فوراً لعملية جراحية عاجلة ودقيقة استمرت حوالي خمس ساعات متواصلة، شارك فيها فريق طبي متكامل ضم نخبة من كبار الاستشاريين في جراحات المخ والأعصاب والعظام والتخدير، الذين بذلوا جهوداً خارقة في محاولة لإنقاذ حياته وتثبيت حالته.

وبعد انتهاء العملية، نُقل الراحل إلى غرفة العناية المركزة، حيث ظل على أجهزة التنفس الاصطناعي، يراقبه الأطباء لحظة بلحظة، بينما كانت أسرته ومحبوه يترقبون أي بارقة أمل، وتتزاحم الدعوات من كل مكان لعلّ القدر يمنحه فرصة جديدة. لكن الإصابات التي تعرض لها كانت بالغة وعميقة، إذ أصيب بنزيف داخلي حاد في المخ والصدر والبطن،

وهي إصابات تركت آثاراً مدمرة على أعضائه الحيوية، وجعلت حالته الصحية تتدهور تدريجياً رغم كل الجهود، لتتحول أيام الأمل الخمسة إلى صراع انتهى بخسارة مؤلمة، حيث فارق الحياة متأثراً بجراحه، مخلفاً وراءه أُسرة كانت تتمنى نقله إلى أحد مستشفيات العاصمة لاستكمال العلاج، لكن حالته الحرجة لم تسمح بذلك، فكان الرحيل موجعاً ومفاجئاً.

رسائل تحذيرية ووصية بيضاء.. خلود الروح قبل الجسد

ورغم حبه الكبير للموتوسيكلات، لم يكن محمد مرزبان يوماً منغمساً في هوايته دون وعي، بل كان يحرص دوماً على توجيه رسائل تحذيرية ونصائح ذهبية لمحبي السرعة والتهور، مؤكداً أن لحظة واحدة من الطيش قد تقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، وتحوّل فرحته إلى مأساة لا تُحمد عقباها، وكانت كلماته النابعة من خبرة نصف قرن خير دليل على حكمته ووعيه بمخاطر هذه الهواية التي أحبها لكنه لم يعش لها.

وفي مفاجأة روحانية أذهلت الجميع، كشفت زوجة الراحل عن وصيته الأخيرة التي حملت طابعاً مختلفاً تماماً عن التقاليد المألوفة في مراسم الوداع، حيث طلب أن يرتدي مشيعوه الملابس البيضاء الناصعة، وأن يمتنعوا تماماً عن ارتداء السواد في جنازته، رغبة منه في أن يكون وداعه الأخير بعيداً عن أجواء الكآبة والحزن، معبراً عن شخصيته البسيطة الخفيفة الظل التي عُرف بها طوال حياته، والتي أرادت أن تترك بصمة حتى في لحظة الفراق.

بهذه الوصية البيضاء التي تترقب الساعات المقبلة تنفيذها، ومع الأعمال الفنية الخالدة التي ستبقى في وجدان الجمهور، يرحل محمد مرزبان تاركاً خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً يعكس روحه الطيبة، ليبقى اسمه مقترناً بالعشق والطيبة والروح الخفيفة، وداعاً أيها الفنان الذي أحب الحياة بعفوية، وودّعها وكأنه يهمس في آذاننا أن الجمال لا يموت، وأن الروح تبقى طاهرة بيضاء، كما أوصى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى