يشهد شرق السودان، وتحديداً على ضفاف نهر عطبرة عند ملتقى نهر سيتيت، كابوساً بيئياً حقيقياً.
ففي مشهد صادم أرعب السكان، امتدت على ضفاف النهر مئات الجثث المتحللة للفئران، محولة المكان الذي كان مصدراً للحياة إلى مسرح لنفوق جماعي يهدد بكارثة تلوث.
انتشرت الروائح الكريهة مع انتشار الجثث، مما عمق صدمة السكان وزاد من قلقهم من تداعيات أكبر قد تكون على الأبواب.
الواقعة حدثت قبالة مدينة الشواك في ولاية القضارف، على بعد حوالي 340 كيلومتراً شرق العاصمة الخرطوم.

محتــويات المقــال
انتشار الواقعة والصدمة المجتمعية عبر وسائل التواصل
-
دور الفيديو: اجتاح مقطع فيديو وثق المشهد المروع منصات التواصل الاجتماعي في السودان بسرعة البرق، محولاً الواقعة المحلية إلى “زلزال” يهز الرأي العام.
-
تساؤلات الذعر: فُجرت تساؤلات هستيرية بين الناس: “هل دخل السم إلى النهر؟ هل تلوث شريان الحياة؟”.
-
تحذير المواطن المصور: حذر المواطن الذي التقط الكارثة الجميع من شرب مياه النهر بعد رؤيته العدد الهائل للفئران النافقة على سطحه وفي مياهه.
روايات السكان الميدانية عن حجم الكارثة
1. شهادة سيدة من خشم القربة:
-
الظهور المفاجئ: “فجأة ظهرت لدينا الفئران بأعداد هائلة.”
-
اكتشاف الجثث اليومي: “بتنا نكتشف يومياً عشرات الجثث، أحياناً تصل إلى 61 فأراً دفعة واحدة.”
-
حجم الكارثة: “الوضع أصبح لا يُحتمل، وكل المنطقة تقريباً متأثرة.. الأمر مخيف ومروع.”
2. شهادات أخرى من السكان تصف الغزو:
-
غزو المنازل: “الفئران تقفز في السرير والمطبخ، وكأنها تريد احتلال البيوت.”
-
الأضرار: “آلاف الفئران الجائعة تخرب الممتلكات.”
-
القلق على المياه: “نهر عطبرة، أهم مصدر للمياه، بات مغطّى بالفئران النافقة، ما زاد القلق على سلامة المياه.”
-
الخوف من السموم: “لا نعرف إن كانت السموم [المستخدمة للقتل] آمنة.”
الرواية والتطمينات الرسمية للسلطات
في محاولة لتهدئة المخاوف، قدمت السلطات الرسمية رواية تفسيرية وتطمينات:
1. نطاق الظاهرة وسببها (بحسب ولاية كسلا):
-
الانتشار الجغرافي: الظاهرة تشمل مناطق الشجراب، خشم القربة، الحفائر، وضفتي نهر عطبرة.
-
الظاهرة ليست جديدة: سبق ظهورها في ولايات الجزيرة، سنار، والقضارف.
-
السبب الرئيسي: التكاثر الكبير للفئران نتيجة توقف حملات المكافحة المنتظمة خلال العامين الماضيين بسبب الحرب.
-
المصدر: وصلت الفئران إلى كسلا في شكل أسراب كبيرة قادمة من ولاية سنار (من مسافات بعيدة).
-
التوقعات: من المتوقع انتهاء الظاهرة خلال فترة قصيرة.
2. التطمينات الصحية والبيئية:
-
نتائج الفحوص: أكدت السلطات أن الفحوص المعملية للفئران الحية والنافقة جاءت سالبة ولا تحمل أي أمراض.
-
تصريحات وزير الإنتاج بولاية كسلا (خضر رمضان):
-
وصف الظاهرة بـ “غير مألوفة”.
-
أكد أن نفوقها طبيعي ولا ينقل الأمراض.
-
أرجع سبب الموت الرئيسي إلى “نقص الغذاء” بعد التكاثر الهائل.
-
شدد على أن الحدث ذو طبيعة بيولوجية وليس نتيجة تأثير وبائي أو كيميائي (تسمم).
-
3. نتائج لجان علمية (مثل لجنة ولاية الجزيرة):
-
التفسير: نفوق نتيجة “انفجار عددي طبيعي” للفئران بعد غياب المكافحة بسبب الحرب.
-
الفحوص: الفئران النافقة لم تُظهر أي علامات تسمم أو أمراض، ولم تُكتشف أي مؤشرات كيميائية أو وبائية.
-
الإجراءات: التأكيد على الرصد المستمر، الوقاية البيئية، والتخلص الآمن بيئياً من الجثث.
-
النتيجة النهائية: العينات المخبرية كانت خالية من مسببات خطيرة.
التوجس الشعبي المستمر والفجوة بين التطمين والواقع
على الرغم من كل التصريحات والتقارير الرسمية، لا يزال التوجس والخوف سيد الموقف لدى أهالي المناطق المتضررة. أسباب هذا التوجس:
-
حجم الكارثة المرئي: المشهد المروع للآلاف من الجثث في النهر والمنازل يصعب تصديق أنه “طبيعي” أو غير ضار.
-
التجربة المباشرة: معاناة السكان اليومية من غزو الفئران الجائعة لمنازلهم وتخريب ممتلكاتهم تجعل التطمينات تبدو بعيدة عن واقعهم الأليم.
-
الخوف على المياه: تلوث مصدر المياه الرئيسي (نهر عطبرة) بشكل مرئي يثير شكوكاً عميقة في صحة وسلامة المياه، رغم التطمينات.
-
السؤال الملح: “كيف يمكن أن نثق بأن النفوق طبيعي فقط؟” – وهو سؤال يعكس فجوة ثقة بين المواطن والرواية الرسمية في ظل ظروف استثنائية.
الخاتمة: كارثة متعددة الأوجه
الواقعة ليست مجرد نفوق حيوانات، بل هي كارثة متعددة الأوجه: بيئية (تلوث النهر)، صحية (مخاوف الأمراض والتسمم)، اقتصادية (تخريب الممتلكات والمحاصيل)، ونفسية (صدمة وذعر السكان).
تكشف أيضاً عن تداعيات الحرب غير المباشرة، حيث أدى انهيار الخدمات والمراقبة إلى هذه الأزمة. التحدي الأكبر الآن هو استعادة ثقة السكان عبر شفافية مطلقة في الفحوصات، وتطهير مرئي للنهر، وإطلاق حملات مكافحة فعالة وعاجلة،
مع تعويض المتضررين ومعالجة الأضرار التي لحقت بسبل عيشهم. الكارثة جرس إنذار لمخاطر إهمال البنية التحتية للصحة العامة والبيئة في فترات الصراع.





